أبي منصور الماتريدي

609

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وتنظروا في حجج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتؤمنوا بالبعث . وفائدة التكرار : ما جرى من العادة في تكرار الكلام عند الوعيد أو عند الإياس أو الرجاء ؛ نحو قولهم : الويل الويل ، وقولهم : بخ بخ ، وغير ذلك ؛ فكذلك هذا . ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على تأويل على حدة : أن قوله - عزّ وجل - : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عند الموت عندما ترون العذاب : أن الأمر ليس كما حسبتم ، وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقين . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، يعني بهذا - والله أعلم - : إبطال ما كانوا عليه من الظنون والحسبان في هذه الدنيا ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا [ الجاثية : 32 ] ، فإذا نزل بهم العذاب تحقق عندهم ، وعلموا علما يقينا . وقال بعضهم : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ حين نزل بكم الموت ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القبر ، وكذلك روي عن « 1 » علي - رضي الله عنه - أنه قال : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة « 2 » . وفيه وجه ثان : وهو أنهم كانوا عند أنفسهم علماء ، وأنهم على حق ، ولكن الله - تعالى - بين لهم أن علمهم « 3 » كان حسبانا ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] ؛ فيظهر لهم عند ذلك : أن اليقين ما نزل بهم ، وأن الذي علموا لم يكن علم يقين ؛ بل كان شكا وحسبانا . وقوله - عزّ وجل - : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، يحتمل وجهين : أحدهما : يرونها عند الموت . والثاني : أي : يرونها بالتفكر والنظر في آيات الله وحججه في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ، له معنيان : أحدهما : عيانا ومشاهدة . والثاني : أن تكون رؤيتهم بعين اليقين ، ليس على ما كان عندهم : أنهم لو فتح لهم باب من السماء وعرجوا إليها ، لقالوا : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ

--> ( 1 ) زاد في ب : ابن عم رسول الله . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 37873 ، 37875 ) ، والترمذي ، وحنيش بن أصرم في الاستقامة ، وابن المنذر ، وابن مردويه كما في الدر المنثور ( 6 / 659 ) . ( 3 ) في أ : عملهم .